عثمان بن جني ( ابن جني )

379

الخصائص

عن أبي حاتم قال : قرأ علىّ أعرابىّ بالحرم : " طيبي لهم وحسن مآب " [ الرعد : 29 ] ، فقلت : طوبى ، فقال طيبي ، قلت طوبى ، قال طيبي . فلمّا طال علىّ قلت : طوطو ، فقال طي طي . أفلا ترى إلى استعصام هذا الأعرابىّ بلغته وتركه متابعة أبى حاتم . والخبر المرفوع في ذلك ؛ وهو سؤال أبى عمرو أبا خيرة عن قولهم : استأصل اللّه عرقاتهم " 1 " ؛ فنصب أبو خيرة التاء من " عرقاتهم " ، فقال له أبو عمرو : هيهات أبا خيرة ، لان جلدك . وذلك أن أبا عمرو استضعف النصب بعد ما كان سمعها منه بالجرّ ، قال : ثم رواها فيما بعد أبو عمرو بالنصب والجرّ ، فإمّا أن يكون سمع النصب من غير أبى خيرة ممن يرضى عربيّته ، وإما أن يكون قوى في نفسه ما سمعه من أبى خيرة من نصبها . ويجوز أيضا أن يكون قد أقام الضعف في نفسه فحكى النصب على اعتقاده ضعفه ، وذلك أن الأعرابىّ قد ينطق بالكلمة يعتقد أن غيرها أقوى في نفسه منها ؛ ألا ترى أن أبا العباس حكى عن عمارة أنه كان يقرأ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [ يس : 40 ] بالنصب ؛ قال أبو العباس : فقلت له ما أردت ؟ فقال : سابق النهار ، فقلت له فهلا قلته ؟ فقال : لو قلته لكان أوزن ؛ أي أقوى . وقد ذكرنا هذه الحكاية للحاجة إليها في موضع آخر ؛ ولا تستنكر إعادة الحكاية ، فربما كان في الواحدة عدّة أماكن مختلفة يحتاج فيها إليها . فأمّا قولهم : عقرت فهي عاقر ؛ فليس " عاقر " عندنا بجار على الفعل جريان قائم وقاعد عليه ، وإنما هو اسم بمعنى النسب بمنزلة امرأة طاهر ، وحائض ، وطالق . وكذلك قولهم : طلقت فهي طالق ؛ فليس عاقر من عقرت بمنزلة حامض من حمض ، ولا خاثر من خثر ، ولا طاهر من طهر ، ولا شاعر من شعر ؛ لأن كل واحد من هذه هو اسم الفاعل ، وهو جار على فعل ( فاستغنى به عما يجرى على فعل ، وهو ) فعيل على ما قدّمناه . وسألت أبا على - رحمه اللّه - ، فقلت : قولهم حائض بالهمزة يحكم بأنه جار

--> ( 1 ) تقول العرب : استأصل اللّه عرقاتهم وعرقاتهم ، أي شأفتهم ، فعرقاتهم بالكسر ، جمع عرق ، كأنه عرق وعرقات ، كعرس وعرسات . وقد يكون عرقاتهم بالفتح ، جمع عرق وعرقة ، ومنهم من أجراه مجرى سعلاة وانظر اللسان ( عرق ) .